ابن كثير
312
تفسير القرآن العظيم ( تفسير ابن كثير ) ( بيروت )
وإنما ذكرت السبعة على وجه المبالغة ، ولم يرد الحصر ولا أن ثم سبعة أبحر موجودة محيطة بالعالم كما يقوله من تلقاه من الإسرائيليات التي لا تصدق ولا تكذب ، بل كما قال تعالى في الآية الأخرى قُلْ لَوْ كانَ الْبَحْرُ مِداداً لِكَلِماتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنْفَدَ كَلِماتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْنا بِمِثْلِهِ مَدَداً [ الكهف : 109 ] فليس المراد بقوله بِمِثْلِهِ آخر فقط بل بمثله ثم بمثله ، ثم بمثله ثم هلم جرا ، لأنه لا حصر لآيات اللّه وكلماته . قال الحسن البصري : لو جعل شجر الأرض أقلاما ، وجعل البحر مدادا ، وقال اللّه إن من أمري كذا ومن أمري كذا ، لنفد ماء البحر وتكسرت الأقلام . وقال قتادة : قال المشركون : إنما هذا كلام يوشك أن ينفد ، فقال اللّه تعالى : وَلَوْ أَنَّ ما فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلامٌ أي لو كان شجر الأرض أقلاما ومع البحر سبعة أبحر ما كان لتنفد عجائب ربي وحكمته وخلقه وعلمه . وقال الربيع بن أنس : إن مثل علم العباد كلهم في علم اللّه كقطرة من ماء البحور كلها ، وقد أنزل اللّه ذلك وَلَوْ أَنَّ ما فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلامٌ الآية ، يقول : لو كان البحر مدادا لكلمات اللّه ، والأشجار كلها أقلاما ، لانكسرت الأقلام وفني ماء البحر ، وبقيت كلمات اللّه قائمة لا يفنيها شيء ، لأن أحدا لا يستطيع أن يقدر قدره ولا يثني كما ينبغي ، حتى يكون هو الذي يثني على نفسه إن ربنا كما يقول وفوق ما نقول . وقد روي أن هذه الآية نزلت جوابا لليهود . قال ابن إسحاق : حدثني محمد بن أبي محمد عن سعيد بن جبير أو عكرمة عن ابن عباس أن أحبار يهود قالوا لرسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم بالمدينة : يا محمد أرأيت قولك وَما أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا [ الإسراء : 85 ] إيانا تريد أم قومك ؟ فقال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم « كلاكما » قالوا : ألست تتلو فيما جاءك أنا قد أوتينا التوراة فيها تبيان لكل شيء ؟ فقال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم « إنها في علم اللّه قليل ، وعندكم من ذلك ما يكفيكم » وأنزل اللّه فيما سألوه عنه من ذلك وَلَوْ أَنَّ ما فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلامٌ الآية ، وهكذا روي عن عكرمة وعطاء بن يسار ، وهذا يقتضي أن هذه الآية مدنية ، لا مكية ، والمشهور أنها مكية ، واللّه أعلم . وقوله إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ أي عزيز قد عز كل شيء وقهره وغلبه ، فلا مانع لما أراد ولا مخالف ولا معقب لحكمه ، حكيم في خلقه وأمره وأقواله وأفعاله وشرعه وجميع شؤونه . وقوله تعالى : ما خَلْقُكُمْ وَلا بَعْثُكُمْ إِلَّا كَنَفْسٍ واحِدَةٍ أي ما خلق جميع الناس وبعثهم يوم المعاد بالنسبة إلى قدرته إلا كنسبة خلق نفس واحدة ، الجميع هين عليه ، إِنَّما أَمْرُهُ إِذا أَرادَ شَيْئاً أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ [ يس : 82 ] وَما أَمْرُنا إِلَّا واحِدَةٌ كَلَمْحٍ بِالْبَصَرِ [ القمر : 55 ] أي لا يأمر بالشيء إلا مرة واحدة ، فيكون ذلك الشيء لا يحتاج إلى تكرره وتوكيده فَإِنَّما هِيَ زَجْرَةٌ واحِدَةٌ فَإِذا هُمْ بِالسَّاهِرَةِ [ النازعات : 12 - 13 ] وقوله إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ أي كما هو سميع لأقوالهم بصير بأفعالهم كسمعه وبصره بالنسبة إلى نفس واحدة ، كذلك قدرته عليهم كقدرته على نفس واحدة ، ولهذا قال تعالى : ما خَلْقُكُمْ وَلا بَعْثُكُمْ إِلَّا كَنَفْسٍ واحِدَةٍ الآية .